أوراق
ملء البطنة يذهب الفطنة. هذا صحيح، لكنه يذهب النوم أيضاً. رغم كل ارهاقاتي وانسطالي كان نومي قليلاً ومتقطعاً. هكذا صحوت قبيل الثالثة فجراً على ثورة السماء ورعودها وأمطارها وبروقها. ما أجمل صوت المطر، السيول، الميازيب، سياط الماء تلسع الاسفلت كجواد أدهم. أرقب الدنيا من النافذة وبيروت فارغة صامتة تصغي في هذه القطعة السوداء من ثوب الزمن التي سموها الليل.
لا شر خالصاً. في الشيء جوانبه المتعارضة. لذة الطعام ذهبت بمتعة النوم ونعمة الحلم. انقطاع النوم والأرق قاداني إلى النافذة والشعر وهكذا لكل ثانية من الوقت ملاكان/قوتان والإنسان يفني عمره هكذا، وفي النهاية الحظ هو الذي يحدد المصير.
لا أعرف من الذي ماثل بين ورق اللعب والحياة.
ففي ورق اللعب إمكانات مفتوحة لعدد لانهائي من الألعاب. ولكن لكل لعبة قانونها أو قوانينها واللاعب محكوم بتلك القوانين، وبراعته في اللعب وذكاؤه لهما دور هام في النتيجة، لكن حظه هو الحاكم الأكبر فيما يمنحه من الأوراق بل وحتى ذكاؤه هو مسألة حظ أيضاً.
كل مجموعة تختار لعبة، ونادراً ما يلعب إنسان مع نفسه دون الآخرين (كما يحصل في التبصير بالورق) ولكنه أيضاً محكوم بقوانين وأوراق وحظ. على كل حال ليست تلك المماثلة/المشابهة خاطئة. بل في نظري هي فكرة عبقرية تلك التي تربط بين اللعب والحياة، بالورق أو بسواه.
يشبه السياسيون العالم برقعة شطرنج أو دومينو أو… أو… حسب اتجاهاتهم. والحال أن الوضع لا يقتصر على السياسة ومستوياتها وتجلياتها. بل الحياة ككل. من ناحيتي أرى الحياة لعبة والأحياء لاعبين ولكن لكل شخصيته. فهذا يلعب من أجل الثروة وذاك من أجل الشهرة وثالث من أجل السيطرة والسلطة ورابع من أجل اللذة وخامس من أجل اللاشيء وهذا الأخير هو الأوسع انتشاراً ودوره في الواقع كالقاعدة التي تقوم عليها مشاريع جميع الأصناف الأخرى من اللاعبين.
لا حصر أوتصنيف للعبات أو اللاعبين غير أن ثمة نوعين هامين:
اللاعبون من أجل اللعب وحسب، وهم قلة لكنهم متواجدون في كل مكان وعلى جميع المستويات وفي كل زمان. واللاعبون من أجل تقويض جميع الألعاب لصالح لعبة واحدة رأوها في أحلامهم، أو جاءهم بها جد قديم أو مصلح أو ما شابه.
ذان النوعان من اللاعبين هما الأكثر صدقاً وعطاءً وتضحية.
ولكنهما الأقل حظاً في الانتصار. ومع الوقت، تتكاثر الألعاب الجديدة ويتكاثر اللاعبون وتتغير القوانين والأشكال والأدوات. لكن الجوهر يبقى لامعاً في العمق. الحياة لعبة واسعة وكل من يدخلها سيكون له موقعه شاء أو أبى. والحظ والبراعة هما عنصرا النجاح أو الفشل، لكن ما يحدد الإنسان في رأيي ليس نجاحه أو فشله إنما اختياره، أي لعبته.
رغم طاقاتي المتواضعة اخترت لعبة كبيرة ومعقدة ومرهقة. ومع أنها استغرقت عمري وكل ما أملك، فأنا ما زلت أجهل قوانينها. بل ولأعترف، كلما تعمقت فيها ازداد ضلالي. ولهذا صرت مقتنعا تماماً أنني لا أصلح للنجاح في أي جولة ومع أي فريق. لكنني لم أخطئ في اختياري، فالاختيارات الأخرى (الألعاب الأخرى) لا تغريني وأهلها أكثر بعداً عن ذوقي ومزاجي.
إن مبدأ لعبتي هو الحاسم في اختياري. إنني من الأعماق لا أجد نفسي إلا في تحويل تام للوسط في نمط الحياة والتفكير.
أحب أن أجتث الأمراض وأدفن الفقر وأعيد للطبيعة طبيعتها، أن أفجر في رأس الإنسان انسانيته، ليس من أجله بل من أجلي، فأنا أموت إن لم أتحرك وليس بوسعي الحركة في وسط ميت. أنا لست سياسياً ولا أصلح لذلك… إنني مثالي… رجل أفكار وأحلام… ولكنني لست مثالياً خالصاً أو حالماً صافياً، بل جندي في معركة المبادئ.
الشيوعية حلم ومشروع قابل للحياة. ولكن ليس بموارد اليوم. أقصد بإنسان اليوم. ليس ثمة أجهل من إنسان اليوم بمبادئ الماركسية، وأخص الماركسيين.
كأنه قدر محتوم أن يكون الأتباع وصمة عار على المبدع الذين يدعون اتباعه. المسلمون ومحمد، المسيحيون ويسوع، الماركسيون وماركس. هذه هي القاعدة والاستثناء يؤكد القاعدة في كثير من الأحيان. المبدع شهاب محترق بنفسه، طريقه حريقه، فوق المكان والزمان تلحق به مخلفات وأتربة، رماد وركام، ولا تطول الرحلة. هو يختفي في اللانهاية والأجسام الباهتة تسقط على المروج والورود ورؤوس الناس ولكن تجد من يتبرك بها كرمى للشهاب التي كانت تتبعه.
هل أنا شيوعي؟!
نعم ولا… في شيوعي ثوري صيم، وفي صوفي خالص وفي آخرون.
في فوضوي بوهيمي إباحي وفي ميتافيزيقي روحاني، وفي مجنون.
بل في آخرون وأخرون لا يعرفهم سوى علام الغيوب.
كيف جميع هؤلاء يتعايشون؟!
أنا نفسي لا أدري. لكنني أعتقد أن الحوار هو الذي يخلق السلام ويفسح المجال للتطور الحر والمستقل لكل شخصية.
إن الشيوعي مؤمن بحق الصوفي والصوفي يذبح نفسه في سبيل حرية البوهيمي، والجميع هكذا مؤمنون بالحرية في الاعتقاد والتفكير والحياة. والحرية في وعيهم الرفيع هي مسؤولية عن الذات والآخرين لأنها مسؤولية في ذاتها وعن ذاتها أولاً.
وأنا مستمتع بهؤلاء الساكنين المثقفين الصادقين.
كم أجدني سعيداً عندما يتحاور في ماركس والحلاج؟ كم هما رائعان منفرجا الأسارير متحابان محترمان مخلصان لقضية واحدة هي أن يتحد الإنسان بالله أو يصيره.
كم يروق لي أن أصغي لمحاورة هادئة وغنية بالتجارب والأفكار بين تروتسكي وبروتون أو ابن سيرين وفرويد.
هل أنا مادي؟!
نعم ولا… لقد استخدم مفهوم المدرحية في الفلسفة وأعجبني كثيراً.
إنني مدرحي، أحلم بثورة خالصة في الروح والمادة، أي في المبدع والمنتج. الانتاج للجسد، الابداع للروح. ليس كل منتج مبدع وكل مبدع منتج.
الفن أرقى من المهنة والروح أرقى من الجسد.
لست في معسكر: مادي أو روحي أو مدرحي، إلا من حيث توافق التسميات.
الجسم أعضاء وحركة والروح إلهام وقدرة.
الروح معنى والجسم صورة أو كلمة.
الخطوط، الرسوم، الرموز، الحروف، اللغات أشكال. تتغير وتتبدل مع العصور والأجسام والناس.
المعاني أكثر ثباتاُ وأقل تحولاً في الدائرة التي تدور وتدور.
يمضي الرؤاة ويدرسون والرؤية تزداد غموضاً وإغراءً.
يتتالى العشاق والمحبون والحب يبقى لغزاً مبهما وقدراً لا يواجه.
يتجدد الفرعون والسجن والطغاة وتنفر الدماء وتتدحرج حبات القلوب نحو الشجرة الأبدية التي يسمونها الحرية.
الخطوة والفكرة. يبدو من المستحيل توحيدهما ومن المستحيل فصلهما. متلازمان كالأنثى والذكر. متوالدان من سلالة تتوالد. نهر عظيم يشق صحارى الزمن منذ الأزل وإلى الأبد. كالليل والنهار، كالأرض والسماء، كالمهد والكفن.
جميع من في يتحاورون هذا الحوار، ويصمتون جميعاً باحترام وجلال ووقار للسيدة الحسناء التي تجلس في الصدر، ويهطع لها الجميع كأنها الآلهة يتوحدون عند أقدامها في كلمة واحدة: السلام عليك يا أمنا الحيرة…
نورالدين بدران – بيروت 5/3/1992







May 24th, 2009 at 2:09 am
just marvelous….
May 24th, 2009 at 3:21 am
اني لاغبطك على هذا الارث..
كنت بحاجه ماسه لاقرا هذا الكلام, ممكن لاعرف من اي اللاعبين انا..
كانه قدرمحتوم ان يكون الاتباع وصمة عار على المبدع…الروح معني والجسم كلمه, والمعنى اكثر ثباتا في دائره تدور وتدور وتدور….اجمل بما قرات
May 26th, 2009 at 9:31 pm
This is beautiful Yazan!! He must have a been an exceptional man!
Thank you for sharing those papers with us!
Now I can see (most probably) the main influence behind that premature depth in your outlook on life!
Life is unpredictable and strikes us with sad events at times but there is nothing more precious that one could leave behind him for his beloved ones…the whole essence of his being between your hands…
I am certain you will figure out what it is that you want to do with all his writings, meanwhile I hope you will continue to share some of them with us.
October 7th, 2009 at 7:05 am
The mission of The Thank You Foundation is to show appreciation and express
gratitude for members of the U.S. Military both past and present
wedding songs زفات – موقع زفات – زفات بدون موسيقى – زفات بالاسماء – زفات راشد الماجد – زفات حزين الجسمي
October 27th, 2009 at 8:31 am
شكرا